تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٩ - مكاشفة
مكاشفة
ينبغي أن يكون هذا الخطاب متوجها إلى جماعة مخصوصين من أهل الايمان و معالم الدين لم يوجد منهم خشوع فحثّوا على الرقّة كما يدلّ عليه قوله تعالى:
أ لم يأن. أي أ ما حان وقت الخشوع منهم فكيف فعله؟ ففي الآية تنبيه عظيم و إشعار بليغ على قبح سير أولئك المخصوصين و فساد بواطنهم و قسوة قلوبهم، حيث نهوا عن مماثلة اليهود و النصارى التي كانت أغلظ الناس قلبا، و أسوئهم ضميرا و أظلمهم باطنا في قسوة القلوب بعد أن وبّخوا، و ذلك لما نقل إن بنى إسرائيل كان الحق يحول بينهم و مشتهياتهم، و إذا سمعوا التورية و الإنجيل خشعوا للّه و رقت قلوبهم، فلما طال عليهم الزمان غلب عليهم الجفاء و القسوة فاختلفوا و أحدثوا ما أحدثوا من التحريف و غيره.
و أكثر من وردت التشديدات العظيمة في حقهم في القرآن و الحديث هم العلماء السوء الذين قصدهم من الاطلاع على معالم الدين و تعلّم مناهج الشرع المبين التنعّم بالدنيا و التوسل إلى الجاه و المنزلة عند ذريها و بنيها، فدلت الأخبار و الآثار من المصطفين الأخيار و شهدت بصائر أصحاب الاستبصار و أنوار ضمائر أرباب الفكر و المتفكرين في مراتب الصنع و الإيجاد الفائضة عن اللّه القهار على أن أشد الأشرار عذابا في النار هم العلماء السوء الذين ظواهرهم ظواهر الأخيار و بواطنهم بواطن الكفّار.
و
قال النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم: «إن أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه اللّه بعلمه» [١].
[١] الجامع الصغير: ١/ ٤٢.